محمد علي الحسن

88

المنار في علوم القرآن

ومن العلماء من قال بترجيح نزول آية : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] . وقد ذهب إلى ذلك الزرقاني وقال : إن النفس تستريح لمثل هذا القول لما تحمله هذه الآية في طياتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين ، بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم الميعاد ، وما تنوه به من الرجوع إلى اللّه ، واستيفاء الجزاء العادل من غير غبن ولا ظلم ، وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة في سياقها . وأيد ذلك أيضا أن الروايات قد نصت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عاش بعد نزولها تسع ليال فقط ولم تظفر الآيات الأخرى بهذا التنصيص . أما الجمع بين هذه الروايات فهو المسلك الاسم والأصوب ، ما دام الجمع ممكنا ، وهو مقدم على الترجيح ، لأن في الجمع إعمال الأدلة ، وفي الترجيح إهمال لبعضها . لذا فقد سلك الإمام السيوطي هذا الطريق ، ونقل ذلك عن الحافظ ابن حجر العسقلاني . قال السيوطي : ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا ، واتقوا يوما ، وآية الدّين لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنها في قصة واحدة ، فأخبر كل عن بعض ما أنزل بأنه آخر وذلك صحيح . هذا القول السديد في آخر ما نزل ، وبالتأمل الدقيق في هذه الروايات نجد دلائل قوية مع من ذهب إلى الجمع بين الأقوال ، ونجد ضعف حجج المرجحين . أما دلائل الجمع بين الروايات فلما أسلفنا من أن إعمال جميع الأدلة خير من إهمال بعضها ، وليس في هذه الروايات ما يناقض بعضه بعضا ، حتى نرجح بعضها أو نسقط شيئا منها . وكذلك فإن ابن عباس ، الذي صح عنه رواية آخر ما نزل آية الربا ، هو نفسه من روى عنه آية وَاتَّقُوا يَوْماً . . ، ولا يعقل أن يناقض نفسه . فالأولى أن نقول بعدم التناقض في أقواله .